الثلاثاء، 9 أبريل، 2013

من ذاكرتي …سقوط بغداد

تلك السقطة كانت رمز النهاية 


بعض الذكريات تنحت في ذاكرة المرء كنحت النحات في الصخور ، احيانا نمر بمواقف تترك في ذاكرتنا طول الامد ، بغداد حيث كل ذكريات طفولتي فيها ، هناك كبرت وهناك لعبت وهناك نطقت وهناك مشيت من دجلة ارتويت ، فكيف بي انساها وهي ارضي ، وكيف لي ان انسى كل ذكراها وهي في قلبي ، وجدت هذا الموضوع بين خبايا مذكراتي وقد كتب عليه 2008 واروي فيه ذاكرتي يوم سقطت بغداد ، احضرته كما هو ولم اغيره  او اعيد صياغته.

الزمان :- الثلاثاء المصادف 8\4\2003 الساعة العاشرة مساءا
المكان :- بغداد -العطيفية


الأجواء :- طائرات امريكية تجوب السماء واصوات قصف متقطع مرور لبعض شاحنات الجيش العراقي في الشارع العام و ظلام وهدوء يخيم على المنطقة بعدم وجود الكهرباء ، جاء ابي مسرعا الى البيت من بيت الجيران حيث تعود رجال المحلة ان يجلسوا في حديقة بيت احدهم ايام الحرب لتبادل الاحاديث ومناقشة الاوضاع ففتح الباب وتوجه نحو الغرفة الي حصناها جيدا تهيا للحرب وكنا على وشك النوم فقال لنا تعالوا الى الباب الخلفي ((كان لبيتنا بابان امامي في المحلة وخلفي يطل على مساحة فارغة صغيرة ثم الشارع العام )).

فتوجهنا هناك ورغم الظلام شاهدنا رتلا مكونا من 7 او 8 دبابات امريكية يمر في الشارع العام ،كان منظرا مخيفا وحابسا للانفاس فقد جاء اليوم الموعود ، حيث توعدت الحكومة العراقية القوات الامريكية بانهم سينتحرون على اسوارها وستكون الحرب الفاصلة هناك.

لم استطع النوم في تلك الليلة وانا افكر بالذي سيحصل غدا ماذا سيحدث وهل ستكون حربا مدمرة هل سيقتل الكثيرون ،كثيرة كانت الاسئلة التي جابت رأسي ،فسالت ابي الذي كان هو الاخر مستيقظا وقلت له هل سيكون يوم غد حربا مدمرة كما توعدت الحكومة؟ فابتسم ابي وقال لي لا تخف فان الله يحفظنا وغدا ان شاء الله سيكون خيرا، فارتحت ونمت نوما عميقا رغم اصوات القصف .

اليوم :-الثلاثاء 9\4\2003 الساعة العاشرة صباحا
المكان :- نفس المكان

ذهبنا الى رأس الشارع حيث كان هناك مجموعة من الجنود العراقيين في بيت قيد الانشاء لكي نعرف ماذا سيحصل فتفجأنا بهم وهو يبلسون اللباس المدني و لازي زيتوني ولا رتب فسألناهم فقالوا يبدو ان قيادات الجيش قد انسحبت ولم يعطونا الاوامر يبدو ان الامر قد حسم خسرنا الحرب وذهبوا وكان من الملفت تحليق عدد من هليكوبترات الامريكان في الاجواء بعلو منخفض .

وكان الوضع هادئا في المنطقة ويسيطر السكون الا من اصوات الاولاد وهم يلعبون كرة القدم حتى جاءت الساعة الثالثة حيث مر من شارعنا احد ابناء المنطقة وكان في الجيش العراقي مسؤلا عن مخزن ذخيرة فسأله والدي ماذا حصل فقال له اصبحنا هذا اليوم ولم نجد القيادات ففر الجنود بعد ان لبسوا اللباس المدني .

عندها دخل ابي للمنزل وشغل التلفاز ((طبعا كان لدينا مولد كهربائي واحتياط وقود كافي للحرب)) على قناة العالم حيث كنا نستطيع سحب هذه القناة بتعديلات بسيطة على عمود الارسال الارضي لان الستلايت كان ممنوعا .

فكانت الصدمة ...... الامريكان واقفيين امام ساحة الفردوس ولا طلقة اطلقت ولا حصل شيء ....نعم سقطت بغداد في يوم واحد ولا وجود لأي مقاومة .... واسقط تمثال صدام وسط عدة تسأولات ماذا يحصل في المرحلة القادمة وهل سيتغير وضع العراق؟؟ وسط اجواء يخيم عليها فرح اغلب الناس بخلاصهم من نظام صدام وذهول البعض بسرعة انتهاء الامر وحزن البعض على ما جرى.

ذهب ابي مسرعا الى بيت الجيران حيث كان عندهم ستلايت نصبوه بالسر وشاهدوا الاخبار على القنوات وكان حدث الساعة فالكل ينقل مشاهد الامريكان في ساحة الفردوس و عملية اسقاط تمثال صدام، ما هي الا ساعات وبدأت بعض عمليات النهب الخفيفة في بعض المناطق فيما سمي بعد ذلك "بالفرهود " .


حتى جاءت الساعة التاسعة من مساء اليوم حيث تجمع رجال وشباب المحلة في شكل مجموعات واخرج الكل اسلحتهم المخبأة لانها كانت ممنوعة في نظام صدام ولكن يحتفظون بها للاحتياط وبدأ الكل بوضع خطة لحماية المحلة من محاولات سرقة قد تحدث بعد ما جرى فاغلقنا مدخل المحلة بجذع نخلة و بدأ الرجال بأخذ وض التأهب ووضع السلاح في متناول اليد لان غدا سأتي عهد جديد ،ولا نعلم ما سيحصل في هذا العهد وتبدأ مرحلة ما بعد سقوط بغداد
بغداد لن انساك ، فانت خالدة في دمي .